13/07/2006

    


 

النخبة التونسية : هل من خروج الى سبيل !؟

 

نشر على الوسط التونسية  بتاريخ 12 جويلية 2006

مرسل الكسيبي


 
في خضم رحلة عناء متواصلة منذ أكثر من عقد ونصف من تاريخ تونس المعاصر,لازالت أجول بالذهن والنفس في سياق رغبة ملحة تخرجني من اطار ضيق القطرية واكراهاتها الى اطار رحابة العالمية وسعة افاقها الانسانية والكونية,وماتحمله رحلة الاخراج من الوطن والسير في الأرض من عميق نظر وتأمل في تطور مسيرة الدول ونهضة الشعوب وصيرورة الحضارات.
 
لم نستطع نحن معشر التونسيين منذ أيام استقلالنا الأول أن نوجد أرضية وطنية وانسانية في حدها الأدنى الأخلاقي من أجل التعايش على رقعة مشتركة من الجغرافيا والتاريخ برغم توحدنا لغة ودينا وانتماء حضاريا وأهواء وميولا نفسية منذ الاف السنوات ...ولعل تواصل طاحونة السجن والمنفى باتت تؤرق ذهن جزء كبير من نخبتنا منذ أن تنادت الكثير من دول وشعوب المنطقة الى طي ملفات الماضي ومعالجة جراحات عميقة خلفتها بأساء وضراء الانقسامات السياسية في ربوع منطقتنا العربية.
 
لقد كان قطار المصالحات الوطنية يمر بأكثر من قطر عربي واسلامي,ليمر بذلك على عواصم وأمصار كنا نظنها أقل منا حظا سياسيا ومعرفيا في طرق مواضيع على غاية من الاستشكال في ربوع منطقة تعودت فيها الشعوب على العبودية في ضيعة الحاكم والرقص في بهو السلاطين...
 
لقد مرت على التونسيين محن سياسية وانقسامات ايديولوجية عميقة الى الدرجة التي أصبح فيها البعض من المضطهدين السياسيين من أبناء تونس الخضراء يعيش حالة أشبه ماتكون بحالة المنبوذين في دولة الهند !,وهو ماجعل الكثيرين يلوذون في اطار استمرار حالة النفي والاخراج من الأرض الى حمل أي جنسية غير الجنسية التونسية ,بعد أن أصبحت جنسية بلد المنشأعنوانا سياسيا مصحوبا بسجل المطاردة والبحث والتفتيش والملاحقة والتجريد من الانتماء الى الساحة الكونية ببعدها الانساني الحقوقي والعالمي .
 
ثمة خلل عميق يشق نمط تفكير نخبتنا بلا شك,ولايبرر هذا أصلا مسؤولية أصحاب السلطان عن محنة سجن وتشريد الالاف من أبناء تونس من اليمين أو من اليسار,ولو صح القول بأن المشكلة تكمن فقط في سيطرة الجهاز البوليسي على مقدرات الدولة والمجتمع لهان الخطب منذ سنوات ولكانت تونس عرفت طريقها الى اندمال جراحها السياسي العميق منذ أواسط التسعينات أو نهاياتها على أقصى تقدير ,ولكن خطب التونسيين يكمن في محاكمة النوايا من قبل شريحة واسعة من النخب المتعلمة والتي باتت تصنف الناس على أساس غير أساس الانتماء الى الوطن أو حتى على أساس من الادمية,حيث غدى التصنيف مبنيا على قراءة في الأفكار والتصورات والانتماءات...ومن ثم اعتبار الاخر المغاير عدوا نفسيا وسياسيا لاتلتقي معه على مائدة المحاورات أو حتى اعتباره خطرا وهميا ينبغي اقصاؤه من كل المشاركات والمشاورات والمساهمات ,وبعبارة أخرى تسليم رقبته الى الجلاد كي يفعل به أفعالا تخرج عن اطار الاعتراف ببشريته وادميته ووجوده الروحي والمادي...
 
والى حد هذا اليوم لازالت تونس برغم اجتهادات هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات من أجل وضع حد لنظام الأبرتايد الايديولوجي والسياسي المتمسح زورا بالحداثة...,لازالت تونس تعاني معاناة كبيرة جراء انقسام نخبتها الى متحالف بشكل مباشر مع الأجهزة المالية والبوليسية,ومتحالف بشكل غير مباشر مع نفس هذه الأجهزة عبر المساهمة في مراسم الصمت الجنائزي على مايحدث من حالة تدمير لمعاني الاصلاح السياسي وشنق لامال شعب يتوق الى أن يعيش مناخات سياسية لاتقل ذكاء وتنافسية عن أقطار عربية واسلامية وافريقية كثيرة البعض منه لاتفصلنا عنه سوى جمارك وبوابات لم تدخل الى وطننا الا اثار العولمة الاقتصادية وبقيت سدودا منيعة في وجه تلاقح التجارب الفكرية والسياسية والانسانية التي تشكل عماد تطور بلدان المنطقة ونهضتها الحقيقية بعيدا عن منطق مبادلات تجارية محدودة لايمكن لها أن تنمو في ظل قمع داخلي وتحطيم لروح العمل الجماعي واشاعة لروح المأسسة الأهلية والمدنية في عروق وجوارح بلدان المنطقة.
ان للتونسيين ونخبهم أن يدركوا بأن روح العمل الجماعي بين هياكلهم الوطنية هي أكبر من الانتماءات السياسية الضيقة والفضاءات الحزبية الخانقة والمشاريع الايديولوجية الناسفة للاخرين,وأن مستقبلهم في مد الوصال مع هموم هذا الشعب وكدحه اليومي من أجل قوته ومعيشته وتعليمه وصحته واحترام كرامته بعيدا عن تصنيف الناس على أساس الانقسامات التاريخية السابقة ,وان للتونسيين ونخبهم بأن يمدوا الوصال مع هموم الأمة وقضاياها الانسانية العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين وقضايا استقرار العراق وأمنه وخروجه من بوابة الاقتتال الداخلي وكابوس الحرب الأهلية واكراهات الحالة الانتقالية,وان للتونسيين أن يعيشوا التجارب العربية والاسلامية والانسانية المدنية المجاورة من أجل استخلاص العبر والدروس في كيفية وضع حد لتغول الدولة على حساب حق المجتمع في التنفس والفعل والوجود...
 
ان لنا جميعا أن نخرج من شرنقة الحديث عن السجن والسجان ومشتقات التعذيب والاعتقال التعسفي والمحاكمات السياسية الجائرة...وبالتالي التنفس برئة انسانية عالمية تبحث عن القواسم الكونية بين بني البشر في التنظم السياسي والتعايش السلمي وبناء مكامن القوة النفسية والعلمية والمدنية بعيدا عن منطق الانتقام والتشفي والاحتقار وتصفية الحسابات والتحطيم المعنوي والحرب النفسية والعقاب الفردي والجماعي والظواهر المرضية المزمنة في التسيير السياسي...
 
وحتى ذلك الحين لابد لرجال الاعلام أن يفتحوا عيون التونسيين والتونسيات على مناطق الانجاز البشري العملاق في حقول الانتصار السياسي الحضاري وحقول البناء التنموي الذي يستند على قواعد صلبة من التعاون الانساني والتسامح الكوني ضمن دوائر احترام الخصوصيات الثقافية للاخرين وفي اطار طي ملفات الماضي الأليم والالتفات الى المستقبل المشرق الذي لابد أن يتمتع به أبناء الجميع بعيدا عن منطق الانتقام والظلم والعداء والتصفية والعقد المرضية التي جلبها بعض الحكام العرب مسندين بنخبة مريضة من أوربا الشرقية أو من الأنظمة "اللويسية" على أيام القرون الوسطى أو أيام ملوك الطوائف حين بدأت معاول الهدم السياسي تحدث شرخها العميق في بناء حضاري شامخ تعبق طويلا بروح الشرق العربي والاسلامي والانساني.
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com