13/12/2007


 

الغرب يركع لبراميل النفط

عبد الباري عطوان (القدس العربي)


 

 

زعيمان عربيان زارا اوروبا في اقل من شهر، الاول كان العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز والثاني الزعيم الليبي معمر القذافي. القاسم المشترك بين الرجلين هو عدم اعتراف نظاميهما بالديمقراطية والتعددية الحزبية والقضاء المستقل، واحتلالهما، اي النظامين مكانة متدنية علي صعيد الحريات، ومكانة متقدمة علي صعيد انتهاك حقوق الانسان.
 
الصحافة البريطانية شنت هجوما كاسحا علي الملك السعودي ونظام حكمه، ونشرت رسوما كاريكاتورية مهينة، واسهبت في الحديث عن الفساد والرشاوي والعمولات، وخصصت تحقيقات مطولة عن انتهاكات حقوق الانسان، واضطهاد المرأة، حتي ان احد الكتاب قال انه يجب علينا ان نخلق الاجواء الملائمة للضيف السعودي باعدام بعض المعارضين والمهربين في ميدان الطرف الاغر بحد السيف، حتي يشعر انه في بيته، وذهب آخر الي القول بان المرأة السعودية هي الاسعد في العالم لانها لن تواجه مطلقا الاعتقال بسبب قيادة السيارة وهي مخمورة، لانه غير مسموح لها بالقيادة اساسا، والخمور ممنوعة في السعودية.
 
بينما قرر زعيم احد احزاب المعارضة الكبري مقاطعة حفل العشاء الرسمي الذي اقامته ملكة بريطانيا لتكريم ضيفها في قصر بكنغهام احتجاجا وامتعاضا.
 
الاوساط السياسية والاعلامية الفرنسية تشن حملة شرسة حاليا ضد الزعيم الليبي معمر القذافي الذي نصب خيمته في قلب العاصمة الفرنسية، وتصفه بالديكتاتور، وتذكر بماضيه الارهابي وتتحدث بطريقة مطولة عن انتهاكات نظامه لحقوق الانسان الليبي، واعتقال المعارضين وتعذيبهم، حتي ان احدي الصحف الفرنسية الساخرة قالت ان العقيد الليبي يجب ان ينصب خيمته علي ضفاف نهر السين الي جانب المشردين، واذا اصيب بذبحة صدرية بسبب البرد فلا بد من احضار فريق من الممرضات البلغاريات لمعالجته.
 
صورة الانسان العربي والمسلم هي الضحية في الحالين، ولا يستطيع احد ان يكرر العبارات المملة بان الغرب معادي للعرب والمسلمين، ولهذا يشن حملاته الاعلامية المسيئة هذه، فالغرب معاد فعلا، ولكن لا يمكن ان نجادل في صحة الاتهامات الموجهة الي الزعماء العرب بالديكتاتورية وانتهاك حقوق الانسان، وممارسة التعذيب وقمع الحريات.
 
ولكن السقوط الحقيقي في تقديرنا هو للزعماء الغربيين، وعلي رأسهم غوردون براون رئيس وزراء بريطانيا، ونيكولا ساركوزي رئيس فرنسا، فقد اثبتت الزيارتان للزعيمين العربيين، ان برميل النفط يستطيع ان يحني رأس اكبر زعيم في الغرب، وان يمرغه في وحل الفساد والديكتاتورية والقمع.
 
الزعماء الغربيون يركعون امام براميل النفط العربية، دون اي استثناء، ولتذهب كل قيم الديمقراطية والعدالة وحقوق الانسان التي يتحدثون عنها الي الجحيم، طالما ان عوائد هذه البراميل تترجم علي شكل صفقات اسلحة وطائرات ايرباص، وعقود لشركات نفط، واسواق جديدة لاستيعاب صادرات ومنتوجات المصانع الغربية في مختلف المجالات.
 
لا نعتقد ان الزعيم الليبي جانب الصواب عندما قال ردا علي اسئلة الصحافيين انه لم يناقش قضايا حقوق الانسان اثناء مباحثاته مع الرئيس ساركوزي في قصر الاليزيه، ولكننا لا نصدق تأكيدات ساركوزي المضادة في هذا الخصوص، لان الرئيس الفرنسي لو كان يهتم فعلا بقضايا حقوق الانسان لما ذهب في الاساس الي ليبيا ولما وجه الدعوة الي ضيفه الليبي. فاهتمامه الاول كان بذهب المعز الليبي، الاسود منه والاصفر.
 
قبل ستة اعوام تقريبا استضافني برنامج تلفزيوني بريطاني شهير في محطة بي. بي. سي القناة الثانية يحمل اسم ليلة اخبارية للحديث عن عودة العلاقات البريطانية - الليبية، وكان الضيف الآخر هو وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني العائد لتوه من زيارة الي طرابلس دشن خلالها استئناف العلاقات. بعد نقاش حاد سألت الوزير البريطاني الذي دخلت بلاده لتوها حربا ضد العراق لفرض الديمقراطية وحقوق الانسان وتغيير النظام الديكتاتوري في بغداد، عما اذا كان ناقش مسألة الديمقراطية وحقوق الانسان في ليبيا مع مضيفيه الليبيين، كشرط لعودة العلاقات، ففوجئت بنفيه ذلك دون خجل، وذهب الي ما هو ابعد من ذلك عندما قال ان في ليبيا ديمقراطية خاصة بها منبثقة من بيئتها وانه يحترم ذلك.
 
هذا هو احد ابرز الامثلة علي نفاق الزعماء الغربيين وكذبهم عندما يتحدثون عن حقوق الانسان، ونشر مباديء الديمقراطية وقيمها في المنطقة العربية. ولا عزاء لمنظمات حقوق الانسان العربية التي تحتفل اليوم بالذكري السادسة والخمسين لتوقيع الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
 
صفق الكثير من الليبراليين العرب للادارة الامريكية عندما نصبت نفسها القائدة والرائدة لنشر قيم الديمقراطية في المنطقة، وعندما قالت في نقد ذاتي غير مسبوق لسياساتها الخارجية بان الديمقراطية اهم من الاستقرار، وانها اخطأت عندما تعاملت مع انظمة ديكتاتورية من اجل الاخير، اي الاستقرار. ولكن عمر هذا النقد الذاتي جاء قصيرا جدا، وسرعان ما تم التراجع عنه، واصبحت الادارة الامريكية الحالية تقود التحول الراهن الذي يفضل الاستمرار في التعامل مع الانظمة الديكتاتورية العربية باعتبارها ضمانة للاستقرار، والمصالح الغربية، والأمن للدولة العبرية.
 
الطفرة المالية الضخمة التي بدأت تملأ خزائن الدول النفطية، وتفيض صفقات اسلحة وطائرات مدنية وحربية، باتت اهم من الديمقراطية، ويعمي بريقها اعين اي زعيم غربي. وهي طفرة يستفيد منها المواطن الغربي لما توفره له من وظائف ورخاء اقتصادي واجتماعي، اكثر مما يستفيد منها المواطن العربي والمسلم حتي في البلدان النفطية نفسها، باستثناء حفنة من الفاسدين والسماسرة الذين كدسوا المليارات بل عشرات المليارات في حساباتهم الشخصية في الداخل والخارج.
 
المصادر المالية الغربية تقدر حجم الاستثمارات والودائع العربية، والخليجية علي وجه الخصوص، باكثر من خمسة آلاف مليار دولار (صندوق استثمار ابوظبي قيمته وحده 886 مليار دولار) تستثمر في معظمها في مشاريع اجنبية، وما يستثمر منها في البلدان النفطية يذهب في بناء ناطحات سحاب وابراج ومدن جديدة لاستيعاب ملايين الهنود والبلوش والغربيين والقليل من العرب.
 
الغالبية الساحقة من الدول العربية تعاني من ازمة بطالة مستفحلة، وانهيار في الخدمات العامة، وتتوسل الغرب للاستثمار فيها لدرجة اهدار الكرامة الوطنية في بعض الاحيان، بينما تحجم رؤوس الاموال العربية عن الاستثمار فيها، واذا فعلت فلا يأتيها الا الفتات، ونتيجة لمزاج شخصي، ولان نسبة العائد الربحي اعلي مرتين او ثلاث بالمقارنة مع نظيرتها المستثمرة في الغرب.
 
الايجابية الابرز للزيارتين، السعودية والليبية، لكل من بريطانيا وفرنسا تنحصر في كونهما فضحتا الغرب ونفاقه وازدواجية معاييره، وعلينا كشعوب ان لا نقبل مطلقا من اي مسؤول غربي ان يحاضر علينا في الديمقراطية وحقوق الانسان، خاصة في بريطانيا وفرنسا.
 
فأي ديمقراطية هذه التي يتحدث عنها غوردون براون وساركوزي، ويقاطعان من اجلها روبرت موغابي تحت ذريعة ديكتاتوريته وتزويره للانتخابات بينما يفرشان السجاد الاحمر لزعيمين عربيين، لا يعرف بلداهما الانتخابات ناهيك عن تزويرها.
 
الغرب يقاطع موغابي لانه ديكتاتور زوّر الانتخابات، ويقاطع الشعب الفلسطيني وحركة حماس لانه قدم نموذجا مشرفا في الديمقراطية والانتخابات الحرة النزيهة فهل هناك نفاق وكذب وخداع اكثر من هذا ؟!
 
ختاما ما يؤلمنا اكثر ويحزننا ان هذه الثروة المالية والنفطية الضخمة وما تشكله من سلاح ماض لم تعد تستخدم في خدمة قضايا هذه الامة، واجبار الغرب علي تغيير سياساته الظالمة ضدنا ولمصلحة اعدائنا. وان استخدمت فبشكل سطحي جدا وغير فاعل.
 
عن صحيفة القدس العربي

 


للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

تعليقات القراء:

 

سليم نصر الرقعي: شكرا ً للسيد عطوان .... وأخيرا ً سمعنا منه كلاما على غياب الديموقراطية وحقوق الإنسان في ليبيا في ظل حكم القذافي وهو أمر نشكره له ونحييه عليه . وهذه هي الحقيقة الفاضحة فالغرب وخصوصا حكوماته تمارس النفاقوسياسة الكيل بمكيلين بشكل مفضوح فالمصالح أولا وهي الغاية أما المبادئ وورقة حقوق الإنسان فهذه مجرد وسيلة للضغط على الحكومات المتمرده عليها وعلى مصالحها بمافيها أمن إسرائيل ! لكن لابد الإعتراف هنا بحقيقة مهمة كثيرا ما تغيب عن البعض وهو أن الغرب بالفعل يتبع سياسة الكيل بمكيليين مع سبق وعي وإصرار وترصد وهناك الكثير من المفكرين وراسمي الإستراتيجية الغربية من يصرح بأن سياسة الكيل بمكيليين هي السياسة الحكيمة والمطلوبة !! ... فسياسات الحكومة في نطاق المجتمع القومي وفيما يتعلق بالشأن الداخلي يجب أن تكال بمكيال المبادئ وإجترام حقوق الإنسان الأوروبي ومواطني هذه الدولة فهذا هو مجال مبادئ الديموقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان ولا تساهل مع أي إختراق لأي إنسان أو مواطن في نطاق المنطومة الغربية ! ... أما السياسات خارج هذه المنطومة وفي نطاق المجتمع الدولي فإن الكيل يجب أن يكون وفق المصالح الإستراتيجية لا المبادئ الإيديولوجية ! ... هنا تتحكم في السياسي الغربي نظرية ( دارون )! .. التي تنص على أن البقاء للأقوى وألأدهى والأصلح خصوصا مع الإعتقاد بندرة موارد الغذاء والطاقة في العالم ! .. وبالتالي فالكيل هنا على أساس المصالح لا المبادئ بل وتتحول المبادئ إلى وسيلة وورقة سياسية لممارسة الضغط النفسي والسياسي على الخصوم ليس إلا !! .. وإذا كان مثلا ً أن قيام ديموقراطية فعلية في أية منطقة مهمة أو بلد مهم من العالم فعلا ً يشكل خطرا ً على مصالح الدول الغربية فلعنة الغرب والساسة الغربيين على هذه الديموقراطية و( أبو اللي جاب الديموقراطية )!!؟؟ ... وهذا هو ما شعر به الغرب على مايبدو فعلا ً الآن وهو أن قيام ديموقراطية حقيقية في أي بلد عربي سيؤدي إلى وصول أطراف معادية للغرب أو على الأقل قوى سياسية وطنية أو إسلامية لا يمكن خضوعها للإملاءات الغربية بحال من الأحوال !! ... لذلك ضرب الساسة في الغرب بمسألة الديموقراطية وحقوق الإنسان عرض الحائط فعلا ً مع أنهم وبشئ من النفاق والشطارة والتمثيل يظلون يتغزلون في الديموقراطية ويتباكون عليها أحيانا بدموع التماسيح ! .. بل والأخطر والأقبح من هذا كله أن القوم وفي سبيل التخفيف من وطأة هذا النفاق القبيح نجد أن بعض الساسة والمفكرين الغربيين وفي سبيل تبرير سياسة الكيل بمكياليين يخرجون علينا بتصريحات غاية في الوقاحة  والقباحة فيزعم بعضهم أن الديموقراطية نظام غربي صرف وخاص ولد من رحم البيئة الغربية الليبرالية وبالتالي لا يصح ولا يمكن تطبيقه في أي بلد شرقي وخصوصا في الدول العربية الإسلامية !! ... ويقول بعضهم بكل صفاقة أن النظام الديكتاتوري الأبوي الشمولي هو النظام المناسب والطبيعي والملائم للبيئة الشرقية والعربية والإسلامية فلا تصلح الديموقراطية لإدارة هذه المجتمعات أبدا ً !! .. فيقول ساركوزي بكل خبث أن ( القذافي لا يعتبر ديكتاتورا ً في العالم العربي ) !!؟؟ .. وهي يعني أن القذافي وفق المعايير الشرقية والثقافة العربية والتاريخ  العربي الإسلامي لايمكن إعتباره ديكتاتورا ً فهذا النمط من الحكم الفردي والشمولي والأبوي هو السمة الطبيعية للمجتمعات العربية ولا يصح أن نحكم - من ثم - على القذافي وفق معاييرنا الغربية !!!؟؟؟ .. ونجد كذلك وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني إثر عودته من ليبيا إلتقى معه السيد عبد البارئ عطوان - رئيس تحرير صحيفة القدس العربي - على هامش برنامج تلفزيزني في محطة بي. بي. سي وسأله : هل تحدثتم مع الليبيين عن مسألة الديموقراطية ؟ .. فإذا بهذا السياسي الغربي البريطاني يجيب بالنفي القاطع بكل صراحة ودون حياء بل ويذهب إلى ماهو أبعد من هذا حيث نجده يقول لعطوان : ( ان في ليبيا ديمقراطية خاصة بها منبثقة من بيئتها وانه يحترم ذلك )!!؟؟؟ ... والغريبة في الأمر هنا أننا اليوم نجد من المثقفين العرب من يحذو حذو هؤلاء المنافقين الكبار من ساسة ومفكرين الغرب فنجدهم لا يكلون ولا يملون من ترداد هذه الإسطوانة الخبيثة في كل مناسبة والتي مفادها أن الديموقراطية نظام غربي لا يصلح إلا  للغربيين و أن النظم الديموقراطية التي يختار من خلالها الشعب قيادته السياسية نفسه بنفسه ويراقبها ويحاسبها ويعارضها ثم يعزلها إذا شاء لا تصلح لنا نحن العرب بالفعل !!!؟؟ فكأن أن الحكم الديكتاتوري والشمولي والفردي المسلط على رقابنا بأسم القومية أو بإسم الوطن أو حتى بإسم الدين هو قدرنا المحتوم الذي ليس منه مفر وهو النظام الطبيعي الملائم لنا ولثقافتنا ولعقليتنا ونفسيتنا وتركيبتنا الإجتماعية أبد الدهر !.


 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة