قبل خمسة أشهر
من الان كتبت نصا هاما حول خطورة تفشي الجريمة بالبلاد
التونسية ,ولقد أردت يومها فعليا لفت نظر الرأي العام
والطبقة السياسية والرسميين والجهاز الأمني الى ضرورة
تأمين حياة المواطنين وسلامة ممتلكاتهم واستقرار حياتهم
بعيدا عن الجور المنظم والجريمة,غير أن هذا النص لفت نظر
صديقين-بفتح القاف-مثقفين على حين تلكم الأيام ليحدثاني في
صراحة احتفائية بقيمة ماورد فيه من أفكار وجمالية ماتطرق
اليه من معاني وطنية وأخلاقية وانسانية سامية, ولعلني
شخصيا أعدت قراءته في مناسبتين بعد كتابته بأيام وأسابيع
لأستمتع ولو بعد حين بما خطه قلمي في لحظة انسانية من
خواطر وهموم عن الوطن والمواطن في حقبة مالت فيها النخبة
للحديث السياسيوي المباشر بعيدا عن تفصيلات وضع اجتماعي
وأمني لم يعد يحتمل السكوت على مفاصله المحفوفة بالجريمة,
حيث حدثني أصدقاء كثر عن ممارسات جنائية واجرامية في وضح
النهار وتحت كبد الشمس وفي ظل دولة أمنية يعد فيها
الاستقرار العصب الرئيس لمفاخر نظام السابع من نوفمبر...
اليوم وبعد أن
تكررت هذه القصص في أكثر من جهة وزاوية وأصبحت حديث العام
والخاص, وبعد أن وصل الأمر الى الهجوم بالسواطير قبل
اسابيع وفي عز النهار على ركاب القطار بمدينة صفاقس
ليجردوا بعدها مما خف وزنه وغلى ثمنه,ثم بعد أن حدثني قبل
أيام قلائل مناضلون وطنيون عن وجود حواجز مزيفة بنفس
المدينة تصدت لنساء محجبات تحت مسمى مصالح أمن الدولة
لتجردهن بعد ذلك من مصوغهن وحافظات أوراقهن علاوة على
هواتفهن المحمولة ليلوذوا بعدها بالفرار,وبعد أن وصل الأمر
الى هجوم شنيع على ملهى ليلي بمدينة قمرت القريبة من ضاحية
قرطاج حيث مقر رئاسة الجمهورية,ليتحول الأمر بعد ذلك الى
اعتداء بالغازات المخدرة وتعنيف للمتواجدين بالملهى وتكسير
لما وجد فيه من ممتلكات ثم اضرام للنيران فيه ,لينجر عن
الحادث الخطير تفحم جثة لم تتمكن المصالح الأمنية من معرفة
هوية صاحبها هذا بالاضافة الى جرح العديد من رواد الملهى...
بعد كل هذه
الحوادث الخطيرة والتي تكررت وباتت تتكرر في مدننا وقرانا
بشكل يومي في ظل تقصير ملحوظ وربما مشبوه في تقدير بعض
الأوساط السياسية التونسية ,أجد نفسي مضطرا لاعادة نشر هذا
المقال الذي كتبته في عز الألم ومواطن الأمل بضرورة التحرك
العاجل والجماعي من أجل اعادة الاعتبار للأمن الفردي
والجماعي في بلد لايتجاوز تعداد سكانه العشرة ملايين وفي
وطن يفوق فيه تعداد رجال الأمن المائة وثلاثين ألف بحسب
تقديرات اكثر من جهة سياسية واعلامية أوروبية...
وفيما يلي أترك
القراء الأعزاء مع هذا النص الذي حبرته قبل خمسة أشهر في
الغرض :
لست أدري أي
بلاء حل بهذا الوطن وهذا المواطن؟!...لست أدري ماذا يحدث
في تونس بعد أن انقلب هم أجهزة الدولة الى مصادرة للحريات
وتجريم لأصحاب الموقف السياسي؟! لست أدري ماذا يصنع أكثر
من مائة وثلاثين ألف شرطي في بلد لايتجاوز عدد سكانه
العشرة ملايين؟!ولست أدري والحيرة تذهب بالمهجة ولبيبة
القلب ,لماذا تصمت المعارضة عن أخطر الهموم التي أثقلت
كاهل المجتمع والمواطن ألا وهي تفشي الجريمة؟!
لقد كان
التونسيون فيما مضى من حقبة بورقيبية فخورين الى حد ما
بسطوة أجهزة الدولة في التصدي للمجرمين والجريمة ,حتى أن
أحد المحامين حدثني يوما عن صرامة العقوبات التي كانت
تواجه مروجي نبتة "التكروري" المخدرة ,اذ أن العقوبة
الجزرية كانت تصل في هذا الغرض الى حد خمسة عشر سنة !...ولايشك
أحد في أن هذه الحقبة عرفت على علاتها السياسية الكثيرة
استتبابا للأمن وبسطا لسلطان الدولة في فض المنازعات
والتصدي لعتاة المجرمين حتى أن بورقيبة كان يثقب الورق
عندما كان يستصدر تصديقات بالموافقة على أحكام الاعدام في
حق أكابر المجرمين!,وهو ماشكل رادعا مع نشر التعليم وبسط
الوعي واشاعة الروح الوطنية في التصدي لظواهر الانحراف
الاجتماعي والضميري والأخلاقي ...ولولا ماعرفته حقبته من
خصومة مفتعلة مع الموروث الحضاري للبلاد وفردانية في الحكم
ورغبة في اقصاء الخصوم السياسيين وفترات من القمع السلطاني
لكان الأمر مختلفا تماما في تقييم ثلاثة عقود من تاريخ
الاستقلال الأول ,حيث عرفت تونس أول تجربة تحديثية في
تاريخ العالم العربي وأول اشعاع سياسي وديبلوماسي لها على
مستوى القارة والعالم.
أما اليوم فان
البلاء الذي حل بتونس والتونسيين أصبح بلاء مضاعفا بعد أن
صودرت الحريات وقمعت الحركات المعارضة وفكك الارتباط بين
النخبة والجماهير بفعل القمع بصفة لايمكن مقارنتها أصلا مع
حجم القمع السياسي الذي تعرض له التونسيون على بعض أشهر
الحقب السياسية في نهاية الخمسينات ونهاية السبعينات
وبداية الثمانينات واخر الأشهر من حكم الزعيم "سي الحبيب"
سنة 1987,اذ أن البلاء الذي نزل بساحة التونسيين بات بلاء
يلامسه التونسيون من خلال مايتناقله المواطنون يوميا من
أخبار السرقات تحت تهديد السلاح الأبيض وجرائم الاغتصاب
والقتل وترويج المخدرات بين الكهول و الشباب وتلاميذ
المدارس مثلما حدث منذ أسابيع بجهة حمام سوسة وقبلها
بالضاحية الجنوبية للعاصمة تونس...وخلف ذلك كله تصمت
الدولة وأجهزتها السياسية والاعلامية عن تدهور أخلاقي خطير
بات يهدد تماسك النسيج الاجتماعي ,وماقضايا الخيانة
الزوجية وشبكات الدعارة المنظمة وغير المنظمة ثم ارتفاع
معدلات الطلاق لأسباب تتعلق بالشرف وبنسب لم يسبق لها مثيل
في تاريخ البلاد الا دليل قاطع على تردي واضح للأوضاع
الأمنية والأخلاقية في تونس.
واذا كانت
احصائيات الجهات المختصة في تونس تؤكد معاناة 12 بالمائة
من التونسيين من مشكلات نفسية تحتاج الى متابعة أو ربما
حتى العلاج,فان السؤال المطروح يبقى حول أسباب الممانعة في
التعاطي مع المسببات الحقيقية لهذا التطور الاجتماعي
والنفسي الذي يشهدهه التونسيون منذ مايزيد عن العشرية ؟
واذا كان البعض
قد غسل يده من السلطة القائمة في معالجة هذا الموضوع
والوقوف عند أسبابه بحكم استتباع هذا الملف لقضايا الحريات
والأجواء السياسية العامة التي تخيم وتغيم على البلاد منذ
مايزيد عن العقد ونصف ,فان الأغرب هو الصمت وربما التقصير
العام من قبل قوى المعارضة والمجتمع المدني في التعاطي مع
هذا الملف الخطير الذي بات يشكل مصدر أرق ومأساة للالاف من
العائلات التونسية ,ليس فقط على مستوى المدن الكبرى وانما
حتى على مستوى القرى والأرياف التي عرفت تاريخيا بميلها
للمحافظة والبعد عن هرج ومرج ومتاعب التجمعات السكنية
الكبرى.
الجواب بلا شك
يبقى صعبا في ظل استمرار الاستنزاف الجماعي لقوى المجتمع
المدني ومنظماته ,غير أن هذا الاستنزاف مثلما لم يحل دون
المطالبة بحق التنظم وحرية الاعلام واخلاء السجون من
معتقلي الرأي ,فانه لاينبغي بأي حال من الأحوال أن يحول
دون طرح المشكلة بالصوت العالي أمام المجتمع المحلي وكل
الجهات الاعلامية والحقوقية والسياسية,حيث أن أمن المواطن
وسلامته وسلامة المجتمع من جرائم تترك أثرها على القادم من
الأجيال أمر لايمكن التقليل من شأنه أو التبخيس من أهميته
أو التغاضي عنه بدعوى الانشغال بقضايا سياسية مباشرة تلقى
القبول والاصغاء لدى المجتمع السياسي العالمي.
مثل هذا
الامتحان لابد للنخب أن تتقدم للنجاح فيه اذ أن ورقاته تعد
ملفا محرجا أيما احراج للسلطة,كما أن حواشيه وملحقاته تعد
مفتاح الاقتراب من المعاناة اليومية للجماهير وهي في حقيقة
الأمر ورشة ضخمة من ورشات الاصلاح التي لاينبغي هجرها وترك
مسؤوليتها التقصيرية لخيارات الدولة , بل ان المطلوب لايقل
عن التعريف بالمشكلة والتوعية بخطورة تفشيها وطرح أسبابها
العميقة في ندوات سياسية وفكرية واعلامية جهوية ووطنية,
كما تحصين المجتمع والشبيبة من مخاطر الانحرافات الكبرى
التي تتربص به...واذا كان هذا هو الدور الأدنى المطلوب من
قوى المعارضة فان ذلك لن يعفي السلطة من مسؤوليتها في بسط
سلطان القانون الحقيقي عبر التصدي للمجرمين وكبار
المنحرفين والكف عن ايذاء المعارضين ورفع سلطان البطش
والقمع عنهم من أجل التفرغ للمشكلات الحقيقية التي تتربص
بأمن المجتمع واستقرار البلاد وماتفشي الجريمة الا واحدة
من مشكلات كثيرة باتت لاتحتمل تأخير الوقاية والعلاج.
نشر بالوسط
التونسية 2 ديسمبر 2006-12 ذو القعدة 1427 هـ
www.tunisalwasat.info
|